مرجان ساترابي
ارسلها والداها الى خارج ايران عندما كانت مراهقة متمردة، من اجل مصلحتها الخاصة. اليوم المخرجة ورسامة الكاريكاتير الحاصلة على عدة جوائز تؤكد انها ليست نادمة على شيء، كما يقول مات بوشينسكي
عندما تركت مرجان ساترابي والديها في طهران وهي في الرابعة عشرة من عمرها، لم يدر في خلدها أنها ذاهبة في رحلة ستأخذها حول العالم، وأن تجاربها في الحياة ستكون غنية إلى هذا الحد.
كان ذلك عام 1983 ، عندما شعر والدا مرجان بأن ايران ليست المكان المناسب لابنتهما المراهقة المتمردة الجريئة، التي تعشق موسيقى الروك وتقليعة "البانك". كان وداعا مؤثرا، انطبع في ذاكرة مرجان المراهقة، وظهر فيما بعد في اللوحة الختامية لمؤلفها الأول، وهو روايتها المرسومة المشهورة "بيرسيبوليس"، كما كان مشهد الوداع من اللقطات البارزة في فيلم الرسوم المتحركة الذي اخرجته بالاستناد الى هذا الكتاب وتم اطلاقه مؤخرا وحصد نجاحا كبيرا.
وخلافا للرحلة الأولى المليئة بالقلق قبل كل تلك السنوات، فان اطلاق الفيلم ادى الى اضطرار مرجان الى مغادرة منزلها في باريس للقيام بعدة اسفار، ولكن لاسباب مثيرة للفرح هذه المرة، وفي رحلات لتقطف فيها ثمار نجاحها، قادتها إلى طوكيو وميامي وبلجيكا، وكان حيث حصل فيلم "بيرسيبوليس" على جائزة المحكمين في المهرجان الدولي الشهير للأفلام مناصفة مع فيلم آخر. وهي موجودة الآن في العاصمة البريطانية لندن حيث تتحرك بسعادة وارتياح في ردهات الفندق الفخم، الذي التقيناها فيه على الإفطار. إنه مكان لم تكن تلك المراهقة المتشردة لتجرؤ على أن تحلم به، عندما كانت تنام على أرصفة الشوارع في فيينا خلال الايام الأولى لهجرتها. ربما تبدو لك مرجان أكبر مما كنت تتوقع أن تكون عليه امرأة، حبست سنوات صباها المبكر داخل قصة مرسومة، لكنها تتمتع بالكثير من الطاقة والحيوية، وهي تتحدث الانجليزية بلكنة فارسية ثقيلة بعض الشيء، بينما جسمها كله يتحرك بنشاط وعنفوان، كشخصيات فيلمها.
تم إنتاج معظم فيلم "بيرسيبوليس" بالأبيض والأسود، وهو يمثل رسالة حب لوطن بعيد ودراسة مدهشة للثورة الإيرانية التي قامت في العام 1979 .ومن خلال رؤية مرجان التي لم تكن تتجاوز العاشرة من عمرها، يحكي الفيلم قصة فتاة صغيرة من معجبات الممثل بروس لي، كانت الثورة تمثل لها فرصة عظيمة ومثيرة، لكن الإثارة تتلاشى لتحل محلها الحيرة، حين تحدث تغيرات كثيرة غير مفهومة بالنسبة لها كطفلة، ويكون عليها ان تتكيف معها. في حين ان غالبية الناس معنيون بتدبر شؤون حياتهم اليومية. وعلى الرغم من أن الفيلم يصور أصدقاء مرجان وعائلتها، إلا أنها ترفض اعتباره سيرة ذاتية، وتقول "صدقني، هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية. إنك تكتب سيرة ذاتية عندما تواجه مشكلات مع أقاربك أو أصدقائك دون أن تعرف السبيل إلى محادثتهم، لذا فإنك تؤلف كتابا تثأر فيه لنفسك. إذا كانت لدي مشكلة مع أشخاص أهتم لأمرهم، فإنني أتحدث إليهم. أما إذا كنت لا أهتم بهم، فإنني لا أتحدث معهم".
هذه هي طبيعة مرجان. وبالرغم من الضحكات والنظرات الناعسة، فإنها تتمتع بكل الصلابة التي تتوقعها من امرأة عنيدة متمردة تحدت أجواء الثورة، وخلعت حجابها، بل حتى أنها مشت في الشارع ممسكة بيد صديقها. وإذا لم تكن القصة سيرة ذاتية، فإنها قائمة على وقائع شهدتها وخبرتها بنفسها. وفي الواقع، فإنها تقول (دون أن يكون كلامها مقنعا) إن السياسة ليست من شؤونها على الإطلاق "لا أهتم بالسياسة، بل السياسة تهتم بي. إذا أراد الناس اتخاذ قرارات تؤثر عليهم فقط، فلا مانع لدي في ذلك. المشكلة انهم يتخذون قرارات، ويكون علي تطبيقها".
ينطلق فيلم "بيرسيبوليس" من من رؤية فتاة صغيرة، ومع هذا فان اللقطات الجديرة بأن تذكر فيه هي تلك التي تظهر قوة الروح الإنسانية لدى المواطن العادي في ايران- الحفلات والنشاطات الاجتماعية السرية التي ساعدت الناس على الاحتفاظ باتزانهم وسط اجواء التوتر التي تترافق عادة مع التغييرات الكبرى في أي بلد. ولكن مرجان ترى اليوم أن هناك نمطية في النظرة الى ايران من بعيد، وتقول ان هذا خطأ، وتضيف بصوت مرتفع ينم عن الغيظ والغضب "إننا بشر لنا إخوة وأخوات وآباء وأمهات، نشاهد الأفلام، ونستمع إلى الموسيقى، كما اننا نضحك، ونملك روح الدعابة ايضا".
كان هذا الكتاب المرسوم لمرجان فرصة تعبر فيها عن رؤيتها للعالم بمحيطه الكبير. أثناء نشأتها في طهران، كان أصدقاؤها معجبين بقصص ومغامرات "تان تان "الرسومية، لكن ذلك لم يكن يستهويها. واستمر هذا الوضع إلى حين وصولها إلى باريس، عندما قدمت إليها رواية "موس" للمؤلف آرت سبيغلمان، ومن بعد قراءة هذه الرواية أصبحت من عشاق الكتب الرسومية. وتمزح قائلة "لقد اعتقدت على الدوام أن القصص المرسومة هي للمهووسين فقط، لكني أدركت بعد ذلك أنني شخصيا مهووسة بها ايضا".
ومرجان متخرجة من كلية الفنون في طهران وفي ستراسبورغ الفرنسية، وانتسبت إلى استديو "لاسّوسياسيون"، الذي أصبح الآن ورشة عمل كبرى لإنتاج الكتب الرسومية في باريس، وأتيح لها ممارسة العمل بنفسها. ومنذ انهت انتاجها الاول في العام 2003 ، حقق هذا العمل الذي كان تحفتها الفنية "بيرسيبوليس" مبيعات تجاوزت مليون نسخة حول العالم. ورغم كونه كتاب رسومات بسيطا بالأبيض والأسود في غالبه، فقد استطاع نقل صورة الحياة في إيران وتجربة المنفى، أكثر من أي كتاب سياسي اجتماعي متخصص. كما أنه قدم ذلك بروح من الفكاهة العالية.
وفيما يتعلق بتحويل الكتاب إلى فيلم سينمائي، فإن النجاح الكبير الذي حققه الكتاب، ومبيعاته العالية في انحاء العالم لا تعني بالضرورة ان يكون الفيلم مكلفا، وان تخصص له ميزانية ضخمة. وقد تم نقل "بيرسيبوليس" إلى الشاشة مقابل 2.4 مليون دينار كويتي ( 40 مليون درهم إماراتي)، وهو مبلغ ضئيل بالنسبة لفيلم رسوم متحركة، وهذا يعني أنه كان على مرجان والمخرج المساعد فينسنت باروناود ان يعملا بتقشف حقيقي، وتحت ظروف تتمتع بأقل قدر ممكن من الرفاهية. وتقول مرجان ضاحكة "كان حجم عملنا أنا وفنسنت يفوق عمل أي مخرج في ظروف عادية بأربع مرات، لقد صنعنا الفيلم كما لو كنا ننتج عملا ممنوعا،كان الاستوديو يبدو وكأنه احد مخيمات الغجر. شخصيا، اعتقد انه هكذا يجب أن يكون الفن، أن تعمل لأنك تحب العمل لا لكي تجني النقود".
وفي الحقيقة فإن المسيرة التي قطعها هذا الفيلم من الرسوم المتحركة، والمنتج بالأبيض والأسود، والذي يتمتع بخصوصية شديدة، بمشاركته في مهرجانات عالمية وترشحه للفوز بعدة جوائز، هي بحد ذاتها قصة، وتصلح أن تكون فيلما. الا ان ذروة النجاحات التي حققها الفيلم كانت في مهرجان كان السينمائي، ففي العرض الأول للفيلم وقف الحضور حفاوة وترحيبا لمدة 25 دقيقة، وذلك قبل ان تأتي مسألة فوزه بالجائزة. وتقول مرجان بانفعال "تخيل! لم أر في حياتي شيئا كهذا!"، واضافت قائلة "ان مهرجان كان يشبه حفلات الزفاف، فالكل يستمتع به باستثناء العروسين. وأثناء مشاهدة الفيلم كنت أتناول أقراصا مهدئة، وقبل ذلك كنت على وشك الإصابة بنوبة قلبية!".
وبالطبع، لم تكن مرجان تتوقع لهذا الفيلم النجاح الكبير، الذي حققه وخاصة في مهرجان كان. ورغم ان الفنانة الشابة تعيش في باريس عاصمة الفن والجمال، الا انها تقول إنه لا يمر يوم واحد دون أن تحن الى موطنها وتفكر بطهران، مضيفة "أفتقد كل شيء هناك، حتى رائحة التلوث، والجبال التي تقف حارسا على تخوم المدينة. فالإنسان يقيم دائما علاقة لا تنفصم مع المكان الذي ولد فيه، وتتولد لديه مشاعر لا يحسها تجاه أي مكان آخر". ولكن بعد هذه الرحلة والتجربة، وآلام الاغتراب المبكر، هل تشعر مرجان ساترابي بأي ندم أو أسف؟ تقول "لا يمكنني أن أغير نفسي، كنت أقول دوما ما أشعر به، وفي احدى المرات دفعت ثمنا غاليا لذلك. لكن من الأفضل دائما أن تدفع الثمن وان كان غاليا من أن تفقد كرامتك - في النهاية، عليك ان تختار واحدا دون الآخر".
|